إحسان عبد القدوس ورؤيته عن ثورة مصر

PDFطباعةأرسل إلى صديق

إحسان عبد القدوس ورؤيته عن ثورة مصر

alt

وسط الأحداث 
الحالكة التى تعيشها مصر وهذا الإرتباك الذي يعخيم على حياة المواطن المصري
داخليا وخارجيا ...سمحت لنفسي بالهروب من أرض الواقع لأرض الأحلام فانتقلت إلى إحدى
الرويات المصرية القديمة ربما ألوذ بالفرار من هذا الحزن والأسى الكبير وخاصة بعد
حريق المجمع العلمي المصري والذي لم يدرك حارقيه ولا من يجلسون خلف الحريق أنه حرق
قلب الأمة المصرية كلها وسيسجل التاريخ هذه
الحادثة كوصمة عار عالقة في جبين كل مواطن مصري...

وإذ بي فجاة أكتشف
مع أولى صفحات رواية \" البحث عن ثورة\" للروائي القدير العبقري إحسان عبد
القدوس أني قد عدت لأرض الواقع المصري من
جديد..وكأنني هربت من النار إلى الجحيم ..لأعترف أمام نفسي على الأقل أنه حقا
التاريخ يعيد نفسه .

لهذا أدعوك عزيزي القارىء لقرأة بعض من رواية \" البحث عن
ثورة\" للروائي إحسان عبد القدوس...والتى
كان يسجل فيها موقفه الفكري ورؤياه لوضع مصر بعد ثورة 1952 ...ولقد إستطاع بمهارة
ثاقبة أن يصف الحالة المصرية ...ومضت العقود والسنين وإذ بي أتفاجيء أننا بعد ثورة
25 يناير لا نختلف كثيرا عن ما بعد ثورة
1952 بل أننا كمن يمشي بظهره للوراء أو نغتر أحداث الماضي ولم نتعلم منه شيئا ...

وما أبدع هذا المقطع الذي يقول فيه :

\"..واستطاعت الثورة فى بدايتها أن تحقق فعلا بعض أهداف
القضية الوطنية ...إلى أن انفراد التنظيم العسكري بنفسه و أصبح أقوى من الثورة الشعبية
...فضاعت هذه الاهداف وأصبحنا نعيش فى حالة لا في قضية \"

إن إحسان عبد القدوس ببساطة وربما برؤية مستقبلية وصف وضعنا
الحالي بعد ثورة 25 يناير وكي لا أحرق فكرته أتمنى أن تتلقوها كاملة من مفرداته
القوية و أدعوكم لمتابعة هذه المقالة
والتي تنقل حرفيا مقطعاً من مشهد لرواية \" البحث عن ثورة \"وحوار على
مقهي سياسي بين شاب طموح ثائر وعجوز حكيم محنك الخبرة فانظر كيف رأى العجوز أو إحسان عبد القدوس بالأحرى مصر عام 1956 وعام 2011...


يقول الرجل العجوز للشاب :

\".... نحن لا نعيش قضية وطنية ولكننا نعيش حالة وطنية
\"

وقال الشاب في استخفاف :

\" وما الفرق بين أن نعيش قضية أو نعيش حالة ؟\"

وقال العجوز فى تاكيد:

\"فرق كبير فالقضية تقوم على تخطيط محدد نحو هدف محدد
أما الحالة فقط تعجز أن تحدد التخطيط أو الهدف حتى مع سلامة النية وقوة الأمل
..وقد كنا قبل ثورة 23 يوليو نعيش قضية ..وهي قضية جلاء الإحتلال البريطاني ..ومع
قضية تغيير نظام الحكم ...مع قضية التقريب بين طبقات الشعب ..وكنا نعتقد أن مجرد
اكتساب هذه القضايا سيحل تلقائيا كل مشاكل الحالة التي كنا نعيشها ..أي الحالة السياسية
والحالة الاجتماعية والحالة الاقتصادية ..وقد كانت بيننا خلافات حادة ..كان بيننا
من يفرض أننا لن نكسب القضية إلا بثورة شعبية ..وبيننا من يعتقد أننا يمكن أن
نكسبها بالمفاوضات والمحاولات السياسية ..ولكن لانها قضية كأى قضية لاسترداد الحق
فقد كانت خلافاتنا توحد بيننا الهدف.. إلى أن حققنا فعلا ثورة 23 يوليو التى بدأت
كثورة شعبية تعتمد على قوة تنظيم عسكري ..واستطاعت الثورة فى بدايتها أن تحقق فعلا
بعض أهداف القضية الوطنية ...إلى أن انفراد التنظيم العسكري بنفسه و أصبح أقوى من
الثورة الشعبية ...فضاعت هذه الاهداف وأصبحنا نعيش فى حالة لا في قضية..والحالة تتطلب
علاجا جانبيا يخفف من آلامها دون أن يقضي
عليها ...كالرجل الذي أصيب بالشلل فنعطيه عكاز ليستند عليه أو عربة ليركبها
ولكننا لا نبرئه من الشلل ليعود سليما
معافي.


وقال الشاب معترضا :

-هذا
غير صحيح..إننا نعيش قضية ..وكل ما ينشر سواء فى الصحف المعارضة أو الصحف الحكومة
أو في أي منشورات خاصة ..يزدحم بالنقد العنيف لكل نواحي المسئولية التي تقوم عليها
القضية ..سواء القضية السياسية أو القضية الاقتصادية أو القضية الاجتماعية ..فكيف
تقول إننا لا نعيش قضية بل نعيش حالة .

قال العجوز مبتسما مستهينا
بعقلية الشاب :

-إن
مجرد النقد هو تعبير عن حالة ..اما القضايا فهي تتطلب بجانب النقد الاعتماد على
موهبة الابداع السياسى ..تماما كالقضايا الفنية ..فقد يشتد النقد لمسرحية أو فيلم
أو أغنية ولكن هؤلاء النقاد لا يملكون موهبة القدرة على الابداع الفني بحيث يقدم احدهم
عملا فنيا جديدا يرتفع فوق النقد.. وهكذا أصبحت مصر ..تزدحم بالنقاد السياسيين دون
أن يظهر بينهم مبدع سياسي واحد ..أي لم تظهر بينهم قيادة سياسية تواجه القضية من
أساسها مواجهة كاملة صريحة. ولأنهم كلهم مجرد نقاد فهم يحصرون أنفسهم فى الحالة القائمة
ولا يطالبون باكثر من تخفيف ثقلها ..وربما كان هذا هو ما كانت تتعمد تحديده
الديمقراطية المصرية القائمة ..أي أن تكون الديمقراطية نقد وليست ديمقراطية ابداع
سياسي ..بما يمكن أن يؤدي اليه هذا الابداع 
من تطورات فى جذور القضيةالوطنية.\"

عزيزي القارىء و إن كان إحسان
عبد القدوس وصف مصر بعد ثورة 1952 فلا أرى أي تغيير عن هذا اليوم... فهكذا هي مصر
الآن تعيش الحالة لا القضية ...والديمقراطية عندنا اليوم كما كانت بالأمس نقد لا إبداع ..ولا يوجد بيننا من
يقود ...وربما ولدت ثورة 1952 على يد جمال عبد الناصر وهو زعيم ورمز الثورة
المصرية وقتها ، أما نحن اليوم مع ثورة 25 يناير 2011 لا نملك رجلا مبدعا مثله ... فإلى أين نحن
ذاهبون أيها المصريون؟

ومازلت أعتذر إليك يا مصر

تمت بقلم الروائية والكاتبة

عبير المعداوي

20 ديسمبر 2011





COMMENT COUNT BTN (0)